مجمع البحوث الاسلامية
336
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
من الأجر والعذاب يوم القيامة مثلا بإحياء الأرض بالنّبات ، وإماتتها بخلوّها عنها في الدّنيا . وقد نبّه الطّبريّ على ذلك في ( 1 ) بقوله في تفسيرها : « أو لم ير هؤلاء المكذّبون بالبعث بعد الموت والنّشور بعد الفناء أنّا بقدرتنا نسوق الماء إلى الأرض اليابسة الغليظة الّتي لا نبات فيها . . . » وقيل في ( 2 ) : إنّ الأرض تصير كذلك يوم القيامة ، والصّواب : أنّ المراد بها أرض الدّنيا مثالا للموت والحياة يوم القيامة . ثالثا : وجاء في النّصوص حملها على مصير الأرض ، كذلك في الدّنيا أو في الآخرة بوجوه : 1 - قال الطّباطبائيّ : « إنّها استعارة بالكناية ، والمراد بها قطع رابطة التّعلّق بين الإنسان وبين أمتعة الحياة الدّنيا ممّا على الأرض » أي ليس المراد أنّ الأرض تصير صعيدا جرزا حقيقة بل تزول رأسا فتنقطع علاقة الإنسان بها ، ونحوه قول أبي حيّان : « إنّه إشارة إلى التّزهيد في الدّنيا والرّغبة عنها - للّه وللرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم - عمّا تضمّنته أيدي المترفين من زينتها . . . » 2 - قال الطّباطبائيّ أيضا : « إنّ المراد حقيقة معنى الصّعيد الجرز ، والمعنى أنّا سنعيد ما على الأرض ، من زينة ترابا مستويا بالأرض ، ونجعله أملس لا نبات فيه ولا شيء عليه . وقال سيّد قطب : ونهاية هذه الزّينة مختومة . . . فتصبح قبل يوم القيامة سطحا أجرد خشنا جدبا ، ونحوها غيرها ممّا هو نصّ في أنّ الأرض تصير صعيدا جرزا في الدّنيا قبل يوم القيامة . 3 - إنّ الأرض تصير كذلك يوم القيامة ، عن ابن الأنباريّ ونسبها إلى المفسّرين . وقال عطاء : يريد يوم القيامة يجعل اللّه الأرض جرزا ليس فيها ماء ولا نبات . وقد أبطله الفخر الرّازيّ قائلا : « وتخصيص الإبطال والإهلاك بما على الأرض يوهم بقاء الأرض ، إلّا أنّ سائر الآيات دلّت على أنّ الأرض أيضا لا تبقى » وهو قوله : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ إبراهيم : 48 ، فهذه الآية نظير كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ الرّحمن : 26 ، و فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً * لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً طه : 106 ، 107 ، ممّا دلّت على فناء الأرض رأسا . فالصّواب - كما سبق - أنّ المراد بها بيان حال الأرض في الدّنيا في الصّيف والشّتاء من الخضرة والجدب ، على ما هو المعتاد ، لا صيرورتها أملس قبل يوم القيامة في الدّنيا ، ولا بعده في الآخرة . رابعا : وقالوا في معنى ( جرزا ) : أرض غليظة خشنة لا تنبت شيئا أو قطع عنها نباتها . وفسّرها بعض بأنّها أرض خربة ، وردّوه بأنّه ليس معناه الحقيقيّ بل ما لا نبات فيه . وقال سيّد قطب : « كلمة ( جرز ) تصوّر معنى ( الجدب ) بجرسها . . . » . خامسا : فإذا كانت هذه الآية مثلا للبعث بعد الممات ، فهي تعمّ طبيعة الأرض الجرز وإحياءها ، واللّام فيها للجنس ، فلا تختصّ بأرض خاصّة مثل أرض اليمن ، أو أرض مصر ، أو قرى بين الشّام واليمن ، أو أنّها أرض خاصّة لا أنهار فيها بعيدة عن البحر ، أو غيرها كما قيل . قال أبو حيّان : « كلّ أرض جرز داخلة في هذا فلا تخصيص لها بمكان معيّن » ونحوه غيره .